لا يكاد يمر يوم إلا ونشاهد مقطعاً أو نقرأ منشوراً يقول: "لقد أثبت العلم حديثاً ما جاء في القرآن قبل أربعة عشر قرناً!"
وتنتشر هذه العبارات بسرعة، لأنها تثير الإعجاب، وتلامس رغبة المؤمن في رؤية توافقٍ بين كتاب الله وما يكتشفه العلم.
ولكن قبل أن نتداول مثل هذه الأخبار، ينبغي أن نسأل سؤالاً مهماً:
هل كل ما يُنسب إلى الإعجاز العلمي صحيح؟
الجواب يحتاج إلى قدر من الإنصاف.
فالقرآن الكريم هو كلام الله الحق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يمكن أن يتعارض مع حقيقة علمية ثابتة؛ لأن خالق الكون هو الذي أنزل القرآن، ولا يمكن أن يتناقض كلامه مع خلقه.
لكن المشكلة لا تكمن في القرآن، وإنما قد تكمن في فهمنا نحن للنصوص، أو في تسرعنا في ربطها بنتائج علمية لم تستقر بعد.
وهنا يجب أن نفرق بين ثلاثة أمور:
الأول: حقيقة علمية راسخة، ثبتت بالأدلة المتكررة، وأصبحت محل اتفاق واسع بين المختصين.
الثاني: فرضية أو تفسير علمي، ما زال قيد البحث والمراجعة، وقد يتغير مع ظهور أدلة جديدة.
الثالث: خبر متداول أو تجربة فردية، لم تخضع للتحكيم العلمي، أو لم تتكرر نتائجها بصورة تسمح ببناء الأحكام عليها.
والخلط بين هذه المستويات هو سبب كثير من الأخطاء في الحديث عن الإعجاز العلمي.
ولهذا كان العلماء ينصحون بالتثبت قبل الجزم بأن آية معينة تشير إلى اكتشاف علمي بعينه، لأن القرآن كتاب هداية في المقام الأول، وليس كتاباً في الفيزياء أو الطب أو الكيمياء.
وهذا لا يعني أن القرآن منفصل عن الكون، بل على العكس؛ فالقرآن يلفت أنظارنا إلى الكون، ويدعونا إلى التأمل في آيات الله في الأنفس والآفاق، لكنه لا يحول الإنسان إلى باحث عن تطابقات متكلفة بين كل آية وكل اكتشاف جديد.
قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ سورة فصلت 53
فالآية تدعونا إلى النظر في الكون، لكنها لا تحدد أن كل اكتشاف علمي هو بالضرورة تفسير لآية معينة.
ومن هنا، ينبغي للمسلم أن يكون مطمئناً؛ فإيمانه لا يقوم على خبرٍ متداول، ولا على تجربة لم تُراجع، ولا على مقطع قصير في وسائل التواصل. إنما يقوم أولاً على القرآن نفسه، وعلى صدق رسالة النبي ﷺ، ثم تأتي الاكتشافات العلمية لتزيده يقيناً حين توافق الحقائق الراسخة، لا لتكون الأساس الوحيد لإيمانه.
ولذلك، إذا صادفت دراسة علمية تشير إلى توافقٍ مع معنى قرآني، فالأجدر أن نستقبلها بالاهتمام، مع الاحتفاظ بالمنهج العلمي في التثبت. فإن ثبتت مع مرور الزمن، كانت شاهداً جديداً على انسجام الوحي مع سنن الكون، وإن لم تثبت، فلا يمس ذلك من صدق القرآن شيئاً؛ لأن الخطأ يكون في فهم البشر أو في النتائج الأولية، لا في كلام الله جل جلاله.
إن المؤمن الواثق بكتاب ربه لا يحتاج إلى المبالغة في إثبات صدقه، لأن القرآن لم يطلب من الناس أن يؤمنوا به عبر أخبار مثيرة، بل دعاهم إلى التفكر، وإلى النظر، وإلى استعمال العقل.
ومن هنا، فإن المنهج المتوازن هو أن نفرح بكل حقيقة علمية راسخة توافق دلالة صحيحة من القرآن، وأن نتوقف عند ما لم يثبت، فلا نجزم بما لا نعلم، ولا ننسب إلى كتاب الله ما لم يدل عليه بوضوح.
وهذا المنهج لا يضعف الإيمان، بل يقويه؛ لأنه يبني اليقين على العلم، لا على الإثارة، وعلى البرهان، لا على التسرع.
إن القرآن سيبقى حقاً إلى قيام الساعة، سواء أدرك الإنسان بعض حكمه اليوم، أو كشف شيئاً منها بعد قرون. أما العلم البشري، فإنه يتقدم ويتطور، ويصحح نفسه باستمرار، وهذه طبيعته. ولذلك، فإن الحكمة تقتضي أن نجعل الحقائق العلمية الراسخة معيناً على فهم بعض الآيات، لا أن نجعل النظريات المتغيرة ميزاناً نحاكم به القرآن.
فإذا اجتمع احترام الوحي، والتواضع العلمي، وحسن التدبر، أصبح العلم باباً من أبواب زيادة الإيمان، لا سبباً للجدل أو المبالغة.
