رروافد الفكر
الرئيسيةالمقالات
⌘K
© 2026 روافد الفكر
المقالات
رحلة العقل إلى الإيمان29 / 07 / 2026

حين يقلد الإنسان بعض سنن الكون

في كثير من الحالات، قد تتمكن الجهات المختصة -وفقاً للقانون وما هو محفوظ من بيانات- من مراجعة سجلات الاتصالات، فتحدد وقت الاتصال ومدته، وربما ترسم تسلسلاً للأحداث يساعد في الوصول إلى الحقيقة. لقد أصبحت التقنية الحديثة قادرة على حفظ كميات هائلة من المعلومات، واسترجاعها بعد سنوات طويلة.

لخّص بـ
ChatGPTchatgptPerplexityperplexityClaudeclaudeGeminigeminiGrokgrok
حين يقلد الإنسان بعض سنن الكون

 تخيل أنك أجريت اتصالاً هاتفياً قبل عشر سنوات، ثم أنكرت اليوم أنك أجريته.

في كثير من الحالات، قد تتمكن الجهات المختصة -وفقاً للقانون وما هو محفوظ من بيانات- من مراجعة سجلات الاتصالات، فتحدد وقت الاتصال ومدته، وربما ترسم تسلسلاً للأحداث يساعد في الوصول إلى الحقيقة. لقد أصبحت التقنية الحديثة قادرة على حفظ كميات هائلة من المعلومات، واسترجاعها بعد سنوات طويلة.

قبل عقود قليلة، كان الإنسان يَعُدُّ ذلك ضرباً من الخيال، أما اليوم فقد أصبح جزءاً من حياته اليومية.

لكن هذا التطور المذهل يقودنا إلى سؤال أعمق:

إذا كان باستطاعة الإنسان حفظ هذا القدر من المعلومات، فماذا يخبرنا ذلك عن علم الله سبحانه وتعالى؟

لقد منح الله الإنسان عقلاً مبدعاً، وهيأ له أسباب العلم، فسخَّر قوانين الكون ليكتشفها، ويحوّلها إلى تقنيات تخدم حياته. ومع ذلك، فإن كل ما يصنعه الإنسان لا يخرج عن كونه توظيفاً للسنن التي أودعها الله في هذا الكون؛ فهو لا يخلق القوانين، وإنما يكتشفها ويستثمرها.

ومن هنا فإن كل إنجاز علمي جديد لا ينبغي أن يدفع الإنسان إلى الغرور، بل إلى مزيد من التواضع. فإذا كان العقل البشري استطاع أن يبتكر أنظمة تحفظ مليارات الرسائل والصور والبيانات، أفليس الأولى أن نؤمن بأن خالق هذا العقل لا يغيب عن علمه شيء؟

ولهذا يلفت القرآن الكريم نظر الإنسان إلى حقيقة أعظم من كل ما وصل إليه من تقنيات، فيقول سبحانه:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ سورة ق 18

ويقول أيضاً:

﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ سورة المجادلة 6

إن الإنسان قد ينسى كلمة قالها قبل سنوات، أو رسالة كتبها ثم محاها، أو موقفاً ظن أنه انتهى، لكن القرآن الكريم يقرر أن شيئاً من ذلك لا يضيع عند الله؛ فكل عمل محفوظ، وكل كلمة محسوبة، وكل موقف معلوم عند من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

وليس المقصود من هذا أن يعيش الإنسان في خوف دائم، بل أن يعيش في وعي دائم. فمن أيقن أن الله مطلع على قوله وفعله، استقام لسانه، وصلحت معاملته، وأصبح أكثر حرصاً على الخير، لأنه يعلم أن أعماله لا تضيع.

إن التقنية الحديثة، على ما بلغت من دقة، قد تخطئ، وقد تتعرض للأعطال، وقد تُفقد بياناتها، أما علم الله سبحانه فليس علماً يعتريه نقص أو نسيان، بل هو علم كامل، محيط بكل شيء، لا يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان.

ومن هنا ندرك أن كل تقدم علمي يمكن أن يكون نافذة جديدة نتأمل من خلالها شيئاً من عظمة الخالق. فليس المطلوب أن نقارن بين قدرة الإنسان وقدرة الله؛ فشتان بين الخالق والمخلوق، وإنما المطلوب أن يجعلنا ما نراه من إبداع الإنسان نزداد تعظيماً لمن خلق الإنسان، وخلق عقله، وعلّمه، وسخر له هذا الكون.

إن أعظم ما يقدمه العلم للمؤمن ليس الأجهزة ولا التقنيات، بل أنه يوقظه من الغفلة، ويذكره بأن وراء هذا النظام البديع خالقاً عليماً حكيماً.

وهكذا، يتحول كل اكتشاف جديد من مجرد إنجاز تقني إلى دعوة صامتة للتأمل، ومن ثم إلى خطوة أخرى في رحلة العقل إلى الإيمان.

مشاركة