قف لحظة واسأل نفسك: إلى أين أمضي؟ لماذا جئت؟ ولماذا سأرحل؟
الجواب الذي يغيّر كل شيء هو أنك لم تُخلق للفناء. أنت إنسان، والإنسان مخلوق أبدي. الموت ليس نقطة النهاية، بل بوابة العبور. فإما إلى نعيم لا ينقطع، وإما إلى عذاب لا يُطاق.
الدنيا: جسر قصير فوق نهر الأبد
تأمل عمرك. ستون عامًا، سبعون عامًا. رقم كبير في حساب البشر، لكنه لحظة واحدة في عمر الخلود. الدنيا بكل زينتها ما هي إلا جسر. والجسر لا يُفرش للجلوس، وإنما يُعبر عليه بسرعة وحذر.
قال الله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد: 20].
وقال النبي ﷺ: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» [رواه البخاري].
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فخذوا من ممركم لمقركم".
فمن ظن أن الجسر دار إقامة، انشغل بزخرفته ونسي الجهة التي يمضي إليها.
النهاية واحدة من اثنتين: جنة الخلد أو جهنم
بعد آخر خطوة على الجسر، تنتهي كل الاحتمالات. لا يوجد طريق ثالث.
قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37-41].
وقال ﷺ يصف نعيم الجنة: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» [رواه البخاري ومسلم].
وقال الحسن البصري رحمه الله: "ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل".
فاختر وأنت ما تزال على الجسر، لأن الاختيار بعد العبور مستحيل.
فلماذا تعصي الله أيها الإنسان؟
لماذا تعصي من خلقك من عدم، وسواك، ونفخ فيك من روحه؟ لماذا تبيع أبديتك بلذة عابرة؟
قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38].
وقال ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» [رواه الترمذي].
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم".
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "لو أن لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان، فإن صلاح السلطان صلاح العباد، وصلاح العباد بصلاح أنفسهم".
كل معصية ترتكبها هي حجر تزيله من جسرك. وكل طاعة تفعلها هي لبنة تثبته وتقويه. وأنت وحدك المسؤول، لا أحد يحمل عنك.
يا ابن آدم، تذكر أنك للخلود خُلقت، لا للفناء. فلا تجعل لحظة غفلة، أو نظرة حرام، أو كلمة غضب، سببًا في ضياع نعيم لا ينتهي.
قال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
وقال ﷺ: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» [رواه الحاكم].
وقال ابن القيم رحمه الله: "أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها، وأنفع لها في معادها".
الدنيا مزرعة، والآخرة حصاد. فازرع اليوم صبرًا وطاعة وتقوى، لتحصد غدًا رضوانًا وجنة. امشِ على جسر الدنيا بعين على الآخرة، وقلب معلق بالله. فأنت مسافر، والزاد قليل، والطريق طويل، والغاية عظيمة.
فماذا ستختار لخلودك؟ ...فالله أرجو أن يوفقنا جميعاً لنكون من أجل الفردوس الأعلى من الجنة... اللهم آمين.
