ذكر الشيخ رحمه الله أن أكثر ما يقوي تعلق القلب بالله عز وجل أمران: الدعاء، والعمل بكل محبوب له سبحانه.
فأما الدعاء، فما نفع عبداً في إصلاح قلبه مثل أن يقف بين يدي ربه يناجيه. لأنك حين تدعو الله لا يسمعك إلا هو، ولا يعلم بحالك إلا هو. فحينئذ تدرك أنك تلقي حاجتك بمن يملكها، وتناجي من بيده الأمر كله. وخاصة في سجودك، أو في ظلمة الليل حين ينقطع رجاءك من الخلق، فلا يبقى لك إلا هو سبحانه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة». فهو لب العبادة وروحها. وما قوّى إيمان العبد شيء أعظم مناجاته لربه.
وكان السلف يسألون الله حتى شسع نعلهم إذا انقطع. إذا خفت، فالجأ إليه. إذا ترددت، فاستخره. إذا احتجت، فاطلبه. ليس لأن الدعاء سحر يجلب المطالب فقط، بل لأن الدعاء نفسه عطاء. يقول أحد الصالحين: كانت تنزل بي الحاجة فأكثر من دعاء الله، فأتمنى ألا تُقضى حاجتي لما أجد في قلبي من الإقبال والتعلق به. فما يسكبه الله في قلبك من السعادة وانشراح الصدر أثناء الدعاء قد يكون أعظم من الإجابة نفسها.
العبرة ليست بالحفظ.. العبرة بالقلب
وهنا يأتي المعنى الأعمق: ليس المهم أن تحفظ صيغ الأدعية، بل المهم أن يصدق قلبك وأنت تدعو.
حكى لي أحدهم عن رجل قال له: "علمني دعاء أقوله وأنا أطوف بالكعبة". فظل يحفظه وهو لا يسمع. فسأله: "تعرف تقول: يا رب ماليش غيرك؟" قال: "أعرف قوي".
فنزل معه وطاف، وظل الرجل يردد من كل قلبه: "يا رب ماليش غيرك.. يا رب ماليش غيرك". بكى وأبكى من حوله.
يقول صاحبه: والله تركت كل الأدعية التي أحفظها، ووضعت يدي على كتفه وصرت أردد معه: "يا رب ماليش غيرك". كانت دعوة كاملة خرجت من قلب صادق.
فالعبرة ليست بكثرة الكلام ولا بفصاحة اللسان. العبرة بقلب منكسر يقول لربه: ليس لي سواك. هذه هي حقيقة "أن تكون مع الله قلباً وقالباً".
الأمر الثاني: العمل بكل محبوب لله
ولا يكتمل التعلق بالله بالدعاء وحده. قال الشيخ: الأمر الثاني هو العمل بكل ما يحبه الله.
فبعض الناس يظن أن مجرد محبته لله كافية للدرجات العالية. كلا، المحبة الصادقة برهانها الاتباع. قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله}.
وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه».
فإذا أحبك الله صار سمعك الذي تسمع به، وبصرك الذي تبصر به.
فكن مع الله قلباً بالدعاء والافتقار، وكن معه قالباً بالطاعة والامتثال. صلِ، وتصدق، وأحسن للناس، وتعلم شرعه وطبقه. فلا يعرف محاب الله إلا من تعلم شرعه.

